ابن حزم

199

رسائل ابن حزم الأندلسي

ثم نقول : إن الحسّ والعقل قد ثبت فيهما أن بين مشي القاعد الصحيح الجوارح والجسم الغير ممنوع وبين مشي المقعد المبطل الساقين فرقا ، وهذا فرق بين الممكن والممتنع . وكذلك فيهما أن بين قعود الصحيح الذي ذكرنا الذي إذا شاء تركه تركه ، وبين قعود المقعد الذي لو رام جهده تركه لم يقدر ، فرقا واضحا ، وهذا فرق بين الممكن والواجب . والواجب أن نلزم « 1 » من قال بخلاف قولنا أن لا يتأهب للجوع إذا أصابه بأكل الطعام لأنه إن كان انتهى أجله فواجب أن يموت ، وإن كان لم ينته أجله فممتنع أن يموت ، وينبغي له « 2 » أن يقتحم النيران إذ إن كان « 3 » في المغيب أنه لا يحترق فممتنع أن يحترق ، فيلزم مخالفنا أنّ تأهبه وفكرته وسعيه فيما يدفع به عن نفسه البرد والعطش والأذى كتأهّبه وفكرته لدفع حركة الفلك أو لمنع الشمس من الطلوع . ونحن إنما نناظر الناس حتى نردهم إلى موجب العقل أو الحس أو نلزمهم أن يخرجوا عن رتب العقل وإلى مكابرة الحس ، فإذا خرجوا إلى ما ذكرنا فقد كفونا التعب معهم ، ولزمنا الإعراض عنهم وتركهم يتمنون الأضاليل ويفرحون بالأباطيل كالسكارى والصبيان المغرورين بأحوالهم ، المسرورين بأفعالهم ، ونشتغل بما يلزمنا من تبيين الحقائق لطلابها ، فإنما نتكلم مع النفوس العاقلة المميزة ، لا مع الألسنة فقط ، ولا مع النفوس السخيفة . 5 - باب الكلام في الإيجاب والسلب - وهو النفي - ومراتبه ووجوهه النفي المفيد معنى والذي تنفي به ما أوجب خصمك إنما حكمه أن يكون للمحمول لا [ 39 ظ ] للموضوع لأنك تثبت الاسم ثم توجب له صفة أو تنفيها عنه . ولو نفيت الموضوع وهو الاسم المخبر عنه لكنت لم تحصّل معنى تخبر عنه كقولك : لا زيد منطلق ، لأنّ ظاهر هذا اللفظ نفي زيد ونفي الانطلاق معه . والأوائل يسمون مثل هذا « قضية غير محصلة » ، وإنما الصواب أن تقول : زيد غير منطلق ، أوليس منطلقا ، فتكون قد أثبت زيدا ونفيت عنه الانطلاق . والأوائل يسمون هذه « قضية مسلوبة » و « متغيرة في المحمول » لأنك غيرتها عن الإيجاب ، فتحفّظ في هذا المكان ، فأقل

--> ( 1 ) سقطت عبارة : والواجب أن في م ، وجاء مباشرة « ويلزم . . . » . ( 2 ) له : سقطت من س . ( 3 ) س : إذا كان .